الموضوع: مرحبا
عرض مشاركة واحدة
قديم 04-06-2007, 03:14 PM   #7
مهند محمود
عيساوي مجتهد

الصورة الرمزية مهند محمود
 
المعلومات الشخصية

التقييم
قوة السمعة: 21

مهند محمود عضو في طريقه للتقدم



التاريخ: 2004/09/01
الموضوع: المقالات


د. سعيد الشهابي

هل المنطقة علي اعتاب عهد ديمقراطي؟ يطرح هذا

السؤال بعد ان تلاشي الحماس الامريكي لمشروعها الذي اطلقت عليه تارة مشروع الشرق الاوسط الكبير واخري الشراكة الديمقراطية . وثمة سؤال آخر: هل كان هناك حقا مشروع امريكي لـ دمقرطة المنطقة؟ ام ان ذلك الشعار يطرح كعنوان عريض يهدف لتجاوز الضغوط الداخلية التي تنامت بعد فشل واشنطن ولندن في تبرير الحرب ضد العراق؟ وماذا عن الذين يتحدثون عن عدم امكان فرض الديمقراطية من الخارج؟ فهل هناك دولة في العالم تحولت من الاستبداد الي الديمقراطية بدون تدخلات خارجية؟ الموضوع هنا لا ينحصر بدائرة البحث عن مصدر الضغوط علي الانظمة الاستبدادية، بل عن مدي وجود أفق للاصلاح السياسي في نطاق انظمة قائمة اساسا علي الاستبداد. وثمة حقيقة لا بد من الاشارة اليها وهي ان الحاكم، مهما كان ديمقراطيا، يبذل كل امكاناته للبقاء في الحكم. هذه الحقيقة لا تنطبق علي الحاكم المستبد فحسب، بل حتي علي الحاكم المنتخب الذي وصل الي سدة الحكم عن طريق الانتخاب الشعبي الحر. وفيما يحكم المستبد قبضته علي الحكم بالقمع والاكراه وانزال الجيش الي الشوارع اذا اقتضي الامر، يسعي الحاكم المنتخب في البلدان الديمقراطية لاقناع الناخبين باعادة انتخابه بكافة وسائل الاغراء التي تصل احيانا الي التضليل والكذب في عرض انجازاته الشخصية او الحزبية. وربما سعي البعض الآخر لتغيير بعض القوانين لضمان بقائه فترة اطول.
الديمقراطية ليست سلعة تباع وتشتري، وان هي اصبحت كذلك هذه الايام. كما انها ليست قرارا من حاكم، بل ثقافة تتطلب تهيؤا نفسيا للاعتراف بحق الناس في اختيار من يدير شؤون حياتهم ويتكلم باسمهم امام العالم. كما لا يمكن فرضها من الخارج، ولكن للخارج دور في تهيئة الظروف لقيامها في البلدان المحكومة بالاستبداد. ففي جنوب افريقيا كان للنضال الوطني دوره في اضعاف قبضة النظام العنصري علي الحكم، ولكن الحكم كان مدعوما من الغرب خصوصا بريطانيا والولايات المتحدة، ولم يسقط الا بعد ان غيرت هاتان البلدان موقفهما تجاهه بسبب تنامي الوعي العالمي ضد العنصرية. والاتحاد السوفياتي الذي كان القوة الكبري الثانية بعد الولايات المتحدة كان محكوما بنظام شمولي استمر سبعة عقود، مدعوما باجهزة استخباراتية عملاقة وقوة عسكرية جبارة، ولم يكن بامكان المعارضين في الداخل اسقاطه لولا الجهود الامريكية المتواصلة لاضعافه. ونظام ماركوس في الفلبين لم يسقط الا بعد ان سحب الامريكيون غطاءهم السياسي والدبلوماسي عنه، فوجد ماركوس نفسه وحيدا امام شعب يطالب بالحرية والديمقراطية، ولم يكن امامه سوي ترك السلطة. وامامنا الكيان الاسرائيلي، فما هو سر بقائه لولا الدعم الامريكي غير المحدود؟ هذا برغم كونه كيانا محتلا وقوة غاشمة. الموقف الخارجي اذن لا يمكن عزله عن مسيرة التطور في داخل البلدان، خصوصا في هذا العصر الذي تلاشت فيه الحدود بين البلدان، واصبحت وسائل الاتصال قادرة علي تجاوز الحدود الجغرافية، وتجاوز الرقابة. العامل الخارجي له دوره في تكريس الاستبداد من جهة، ودعم الديمقراطية من جهة اخري. هذه الحقيقة تمثل جانبا من ازمة عالم اليوم الذي تهيمن عليه قوي عالمية تتقدمها الولايات المتحدة، لا تلتزم بسياسة ثابتة وفق مبدأ واضح، بل تتميز سياساتها بازدواجية مزعجة في المعايير والمواقف.
بعد الحرب العالمية الثانية رفعت قوي التحرر الوطني شعار المطالبة باعطاء الشعوب حق تقرير المصير، وهي مطالبة مشروعة تتضمن اقرارا لمبدأ الديمقراطية ومنع الاستبداد بعد القضاء علي الاستعمار. لكن هذا الشعار لم يعد مطروحا بوضوح بعد ان اصبح العالم تحت الهيمنة الامريكية المطلقة. فحق تقرير المصير يعترف به عندما يكون شعب ما محكوما بنظام معاد لامريكا التي تتجاهله عندما تقتضي مصلحتها ذلك، بل تقف احيانا ضد نشطاء الديمقراطية اذا كان قيام نظام ديمقراطي سيؤثر علي مصالحها او المصالح الاسرائيلية. واليوم يرفع شعار الديمقراطية ليس عنوانا لسياسة امريكية ثابتة، بل كشعار يوفر لواشنطن اداة ضغط علي الانظمة المشاغبة او لتبرير سياسات لا تحظي بدعم شعبي سواء داخل امريكا ام خارجها. وبالتالي ففي الوقت الذي ترغب فيه الحركات الديمقراطية في العالم العربي في توفر سياسات دولية تضغط علي الانظمة الاستبدادية في المنطقة للحد من قمعها، فانها اصبحت تخشي كثيرا من ان يكون رفع الشعار محاولة لتغطية اهداف اخري غير واضحة. وبالتالي ما تزال خطابات الرئيس الامريكي عاجزة عن اقناع الكثيرين بجدية ادارته في الترويج للديمقراطية في العالم، وتطرح التساؤلات عن الاهداف وراء ذلك. فالعالم لم يعد مستعدا لمنح واشنطن موافقة علنية لسياساتها في الشرق الاوسط خصوصا مع استمرار دعمها للاحتلال الاسرائيلي. كما ان الدعوة للديمقراطية تناقضها السياسة الامريكية التي ترفض الضغط علي الكيان الاسرائيلي، وتقف بوجه اي مشروع امام مجلس الامن لشجب سياسات الاستيطان والعنف والقتل خارج القانون التي تمارسها قوات الاحتلال. ويمكن اعتبار الطرح الامريكي في المجال الديمقراطي فتنة للحركات الديمقراطية، ومدخلا لصراع بين داعمي ذلك الطرح باعتباره وسيلة للضغط علي الانظمة الاستبدادية وان الفرصة مواتية لاحداث تغيير في العقلية والممارسة في المنطقة العربية، ومناهضي ذلك الطرح نظرا لعدم الثقة بالاهداف الامريكية من وراء ذلك.
في اطار الطرح الامريكي لم تتخذ واشنطن اية خطوة حقيقية لدعم الشعار الديمقراطي الذي اصبح موازيا لشعار الحرب ضد الارهاب. فلم تمارس ضغوطا حقيقية علي الانظمة المستبدة، ولم تدع لقمة دولية لمناقشة الديمقراطية في العالم علي غرار قمة حقوق الانسان والتنمية والبيئة والمرأة التي عقدت في العقد الماضي. وبالتالي لم يؤد رفع الشعار الي قلق حقيقي لدي الحكومات الديكتاتورية الصديقة لامريكا في المنطقة. وتبدو السعودية في محور النقاش الدائر حول موضوعة الديمقراطية، والواضح ان النقاش هنا ما يزال موجها لخدمة المصالح الامريكية وليس معزولا عن تلك المصالح. وقد رفع بعد تنامي ظاهرة الارهاب الذي انطلق في السنوات الاخيرة من الجزيرة العربية. ومع وجود القائلين بان واشنطن اصبحت اكثر ادراكا لمخاطر الاستبداد والديكتاتورية علي مصالحها، فما تزال اعتبارات المصالح والامن والصداقة عوامل اساسية في توجيه السياسة الامريكية. كما ان الشعار الذي رفعته ادارة الرئيس بوش بتحويل العراق الي انموذج متميز للديمقراطية ما يزال بعيدا عن الواقع، وان لغة السلاح هي المجلجل الاكبر في الساحة العراقية، بعيدا عن مفاهيم الانتخاب علي اساس ان لكل مواطن صوتا. واصبح نشطاء الديمقراطية اكثر تحسسا ازاء المشروع الديمقراطي المنطلق من واشنطن، خصوصا مع وجود رأي عام عربي واسلامي لا يستوعب المشاريع التي تطرحها الولايات المتحدة الا انها محاولات لتكريس الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية ودعم الاحتلال الاسرائيلي. اما القول بوجود بعد انساني في التفكير الامريكي، فليس له مكان في الاذهان، خصوصا في ضوء تجارب السنوات الاخيرة.
وثمة تساؤلات ازاء عدد من الظواهر المحيرة في الشأن الديمقراطي. من هذه التساؤلات: كيف نجحت المشاريع الديمقراطية في مناطق العالم بينما بقيت عاجزة في المنطقة العربية؟ ففي فنزويلا مثلا، وصل الرئيس شافيز الي الحكم عبر صناديق الاقتراع، وبرغم سياساته غير المقبولة من الولايات المتحدة فقد اعيد انتخابه مجددا في الانتخابات الاخيرة. هذا مع العلم ان فنزويلا تعتبر الساحة الخلفية للولايات المتحدة. كما نجحت الممارسات الديمقراطية في اغلب الجمهوريات الآسيوية التي انفصلت عن الاتحاد السوفياتي، ولم تبق سوي المنطقة العربية التي ما تزال ترفض التحول نحو الديمقراطية. فهل المسألة مرتبطة بالارادة الامريكية ام ارادة الشعوب ومواقف قيادات المعارضة؟ وما سر قدرة الانظمة العربية علي البقاء في الحكم عقودا بدون ان تواجهها معارضات قوية قادرة علي تغيير الوضع؟ والي اي مدي يلعب الدعم الامريكي دورا في اقرار الاستبداد والديكتاتورية في المنطقة؟ وثمة عقدة كامنة في ذهنية بعض قوي المعارضة العربية تقوم علي اساس اعتبار ان اي تغيير نحو الديمقراطية غير ممكن ما لم يكن هناك تغير حقيقي في الذهنية الامريكية. وفي الوقت نفسه، هناك شعور بالممانعة ازاء اي مشروع بعنوان الديمقراطية ينطلق من الولايات المتحدة. فما الموقف المطلوب؟ وهل يمكن ان تنطلق الديمقراطية كمشروع وطني تطرحه قوي المعارضة وتدعمه الجماهير؟ ام ان عقود التخدير والتهميش ادت الي قتل ارادة التغيير وخلقت مجتمعات جامدة بدون ارادة او حراك؟ المشكلة ان هذا الجمود لا يمكن ان يتحول الي حالة دائمة، لان ذلك مناف لسنة التغيير بين البشر. وفي الوقت نفسه، فاستمرارها مع غياب ارادة التغيير لدي انظمة الحكم، ولدي قوي المعارضة التي تميل نحو الشيخوخة، عامل خطير ساهم في تكريس ظاهرة التطرف والعنف. وبالتالي فالحرب ضد الارهاب قد تكون عنوانا، في بعض المواقع، لمواجهة الحركات الديمقراطية، او علي الاقل تهميش دورها وسلبها القدرة علي تحريك الشارع باتجاه التحول التدريجي نحو نمط من الممارسة الديمقراطية. وتزداد المسألة تعقيدا عندما يتحول الموضوع الديمقراطي الي مماحكات فكرية خصوصا في اوساط النشطاء الاسلاميين، فتطرح مقولات بتناقض الديمقراطية مع الاسلام، وبالتالي عدم جواز الدعوة الي الديمقراطية. كما تطرح اشكالات حول مسيرة حركات المعارضة وما اذا كانت تنسجم مع الاساليب الديمقراطية. وتطرح ايضا تساؤلات حول مدي امكان المواءمة بين انظمة الحكم التوارثية والطرح الديمقراطي. وتتواصل المساجلات باستطراد احيانا حتي تضيع قضية الصراع بين الحرية والاستبداد بسبب هذه الاشكالات التي لا يستفيد منها الا انظمة الحكم الشمولية.
الامر المؤكد ان السير نحو الديمقراطية في العالم العربي لن يتوقف، ولن يكون خاضعا للقرار الامريكي، هذا القرار الذي ينطلق في اغلب الاحيان باعتبارات مغايرة لدوافع المعارضة العربية التي في مقدمتها السأم من الاستبداد والظلم وغياب دولة القانون. وتبدو الوفرة المالية النسبية لدي بعض الانظمة العربية خصوصا الخليجية منها مانعا من التحول الديمقراطي، حتي ان بعض الكتاب الغربيين استنتجوا ان يكون من نتائج صعود اسعار النفط في الفترة الاخيرة تباطؤ الاصلاح السياسي، لان المال قادر علي تجميد المشكلة واسكات الاصوات الداعية الي الاصلاح. هذا المال النفطي نجح حتي الآن في استيعاب الضربات السياسية الداخلية، سواء باستمالة بعض رموز المعارضة ام بالاستفادة من خدمات الخبراء الاجانب ذوي التجربة الطويلة في الاجهزة العسكرية والامنية الغربية، ام بتغيير اطر الحوار والنقاش علي الصعيد العام. ولكن ثمة حقيقة لا يمكن اغفالها بموضوعية وهي ان رفض الاصلاح من جانب الانظمة العربية، والدعم المتيسر لها من القوي الغربية لا يمكن ان يحقق الامن والاستقرار في المنطقة، وهذا ما أكدته حوادث السنوات الاخيرة.

"القدس العربي"
مهند محمود غير متصل   رد مع اقتباس