14-03-2009, 01:07 PM
|
#14
|
|
رئيسة القسم الاسلامي
|
الثقافة الدينية في الحضارة اليهوديةكان بناء الهيكل أهم الحادثات الكبرى في ملحمة اليهود ، بعد نشر كتاب القانون ؛ ذلك أن هذا الهيكل لم يكن بيتاً ليهوه فحسب بل كان أيضاً مركزاً روحياً لليهود ، وعاصمة لملكهم ، ووسيلة لنقل تراثهم ، وذكرى لهم ، كأنه علم من نار يتراءى لهم طوال تجوالهم الطويل المدى على ظهر الأرض. ولقد كان له فوق ذلك شأن في رفع الدين اليهودي من جيل بدائي متعدد الآلهة إلى عقيدة راسخة غير متسامحة ، ولكنها مع ذلك إحدى العقائد المبدعة في تاريخ البشر. وكان اليهود في أول ظهورهم على مسرح التاريخ بدواً رحلاً يخافون شياطين الهواء ، ويعبدون الصخور والماشية والضأن وأرواح الكهوف والجبال. ولم يتخلوا قط عن عبادة العجل والكبش والحمل ؛ ذلك أن موسى لم يستطع منع قطيعه من عبادة العجل الذهبي لأن عبادة العجول كانت لا تزال حية في ذاكرتهم منذ كانوا في مصر ، وظلوا زمناً طويلاً يتخذون هذا الحيوان القوي آكل العشب رمزاً لإلههم. وإنا لنقرأ في سفر الخروج (الأصحاح 32 الآيات 25- 28) كيف أخذ اليهود يرقصون وهم عراة أمام العجل الذهبي ، وكيف أعدم موسى واللاويون ثلاثة آلاف منهم عقاباً لهم على عبادة هذا الوثن. وفي تاريخ اليهود الباكر شواهد كثيرة تدل على أنهم عبدوا الأفعى. ومن هذه الشواهد صورة الأفعى التي وجدت في أقدم آثارهم. ومنها الأفعى النحاسية التي صنعها موسى والتي عبدها اليهود في الهيكل إلى أيام حزقيا (حوالي 720 ق.م). وكانت الأفعى تبدو حيواناً مقدساً لليهود كما كانت تبدو لشعوب كثيرة عداهم ، وذلك لأنها رمز للذكورة المخصبة من جهة ، ولأنها من جهة أخرى تمثل الحكمة والدهاء والخلود- فضلاً عن أنها تستطيع أن تجعل طرفيها يلتقيان. وكان بعض اليهود يعظمون بعل ، الذي كان يرمز إليه بحجارة مخروطية قائمة كثيرة الشبه من لنجا إله الهندوس ، وذلك لأنه في رأيهم الجوهر الذكر في التناسل ، وزوج الأرض الذي يخصبها. وكما أن آثار عبادة الآلهة الكثيرة البدائية قد بقيت في عبادة الملائكة والقديسين ، وفي الأصنام الصغيرة المتنقلة التي كانوا يتخذونها آلهة لبيوتهم ، كذلك ظلت المعتقدات السحرية التي كانت منتشرة في العبادات القديمة ، باقية عند اليهود إلى عهود متأخرة رغم إحتجاج الأنبياء والكهنة. ويبدو أن الناس كانوا ينظرون إلى موسى وهارون على أنهما ساحران ، وأنهم كانوا يناصرون السحرة والعرافين. وكان إستطلاع المستقبل يحدث أحيانا برمي النرد (أريم وتميم) من صندوق (إفود)- وهي طريقة لا تزال تستخدم لمعرفة ما يريده الآلهة. ومما يذكر بالحمد لكهنة اليهود أنهم قاوموا هذه العادات ، ودعوا الناس ألا يعتمدوا إلا على قوة سحرية واحدة هي قوة القربان والصلوات والتبرعات. وما لبثت فكرة اتخاذ يهوه إله اليهود القومي الأوحد أن تبلورت وأكسبت الديانة اليهودية وحدة وبساطة كانتا سبباً في إنتشالها من فوضى الشرك التي كانت تسود أرض الجزيرة. ويبدو أن اليهود الفاتحين عمدوا إلى أحد آلهة كنعان من بين الآثار التي وجدت في كنعان (عام 1931م) قطع من الخزف من بقايا عصر البرونز (3000 ق.م) عليها إسم إله كنعاني يسمى ياه أو ياهو. فصاغوه في الصورة التي كانوا هم عليها ، وجعلوا منه إلهاً ، صارماً ، ذا نزعة حربية ، صعب المرا س، ثم جعلوا لهذه الصفات حدوداً تكاد تبعث الحب في القلوب. ذلك أن هذا الإله لا يطالب الناس بأن يعتقدوا أنه عالم بكل شيء ؛ وشاهد ذلك أنه يطلب من اليهود أن يميزوا بيوتهم بأن يرشوها بدماء الكباش المضحاة لئلا يهلك أبناءهم على غير علم منه مع من يهلكهم من أبناء المصريين. كذلك لا يرى أنه معصوم من الخطأ ، ويرى أن أشنع ما وقع فيه من الأخطاء هو خلق الإنسان ؛ ولذلك تراه يندم بعد فوات الفرصة على خلق آدم وعلى إرتضائه أن يكون شاؤل ملكاً. وتراه من حين إلى حين شرهاً ، غضوباً ، متعطشاً للدماء ، متقلب الأطوار ، نزقاً نكداً: "أتراءف على من أترأف ، وأرحم من أرحم". وهو يرضى عما إستخدمه يعقوب من ختل وخداع في الإنتقام من لابا ؛ وضميره لا يقل مرونة عن ضمير الأسقف الذي يندفع في تيار السياسة. وهو كثير الكلام ، يحب إلقاء الخطب الطوال ، وهو حي لا يسمح للناس أن يروا منه إلا ظهره. وقصارى القول أنه لم يكن للأمم القديمة إله آدمي في كل شيء كإله اليهود هذا. ويلوح أنه كان في بداية الأمر إلهاً للرعد يسكن الجبال ، ويعبده الناس للسبب الذي كان جوركي الشاب يؤمن من أجله بالله إذا أرعدت السماء. وحوّل كاتبو أسفار موسى الخمسة ، وهم الذين كانوا يتخذون الدين أداة للسياسة ، إله الرعد هذا إلى إله الحرب ، فأصبح يهوه في أيديهم القوية إلهاً للجيوش يدعو للفتح والإستعمار ، يحارب من أجل شعبه بنفس القوة التي كان يحارب بها آلهةُ الإلياذة. وفي ذلك يقول موسى: "الرب رجل حرب". ويردد داود صدى هذا القول نفسه فيقول: "الذي يعلّم يدي القتال". ويعِد يهوه أن "يطرد الحويين والكنعانيين والحيثيين" يطردهم: "قليلاً ، قليلاً" ، ويزعج جميع الشعوب الذين تأتي عليهم ، وأعطيك جميع أعدائك مدبرين" ، ويقول إن الأرض التي فتحها اليهود ملك له وحده. وهو لا يقطع معهم ولا مع أعدائهم عهداً سخيفاً ؛ ويعرف أن الأرض ، حتى الأرض الموعودة نفسها ، لا تنال إلا بحد السيف ولا يحتفظ بها إلا بالسيف ؛ وهو إله حرب لأنه لابد أن يكون إله حرب ؛ وتمر عدة قرون من الهزائم العسكرية والخضوع السياسي ، والتطور الأخلاقي ، حتى يستحيل هذا الإله إلى والد هلل وإلى المسيح. وهو فخور معجب بنفسه كالجندي ؛ يتقبل الثناء ويشتهيه ، ويحرص على أن يتباهى بقدرته على إغراق المصريين في البحر: "فيعرف المصريون أني أنا الرب حين أتمجد بفرعون ومركباته وفرسانه". وهو يرتكب في سبيل إنتصار شعبه من ضروب الوحشية ما تشمئز منه نفوسنا إشمئزازاً لا يعادله إلا رضاء أخلاق ذلك العصر عنها ، ويأمر شعبه بأن يرتكبوا هم هذه الوحشية ؛ فهو يذبح أمماً بأكملها راضياً مسروراً من عمله رضاء جلفر Gulliver وهو يقاتل من أجل لليبت Lilliput. ولما بدأ اليهود يزنون مع بنات موآب قال لموسى: "خذ جميع رؤوس الشعب وعلقهم للرب مقابل الشمس" ، وتلك هي أخلاق أشوربانيبال وأشور. وهو يعرض رحمته على الذين يحبونه ويتبعون أوامره ، ولكنه يفعل ما تفعله جراثيم الأوبئة الفتاكة: "أنا الرب إلهك إله غيور أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي" ؛ وهو إله جبار يفكر في إهلاك اليهود على بكرة أبيهم لأنهم عبدوا العجل الذهبي ؛ ويضطر موسى إلى أن يراجعه حتى يتملك عواطفه فيقول الرجل لربه: "إرجع عن حمو غضبك وإندم على الشر بشعبك" ، "فندم الرب على الشر الذي قال أنه يفعله وهكذا تصور التوراة إله إسرائيل. ثم يريد يهوه أن يفني اليهود أصلاً وفرعاً لأنهم عصوا موسى ، ولكن موسى يستثير فيه عواطفه الطيبة ، ويأمره أن يفكر فيما يقوله الناس عنه إذا سمعوا بفعلته، وهو يختبر قومه إختباراً قاسياً فيطلب إلى إبراهيم تضحية يالها من تضحية. ويعلم إبراهيم يهوه ، كما يعلمه موسى ، مبادئ الأخلاق السامية وينصحه إلا يهلك سدوم و عمورة ، إذا وجد فيهما من الرجال خمسون ، أو أربعون ، أو ثلاثون ، أو عشرون ، أو عشرة صالحون. ولا يزال يغري إلهه بالرحمة ، ويشرح له كيف يضطر الإنسان إلى أن يعيد تصوير أربابه لتتفق مع تطورات أخلاقه. وأن اللعنات التي يهدد بها يهوه شعبه المختار إذا ما عصاه لجديرة بأن تكون نماذج في القدح والسب ، ولعلها هي التي أوحت إلى الذين حرقوا الكفرة في محاكم التفتيش الأسبانية أو حكموا على إسبنوزا بالحرمان أن يفعلوا ما فعلوا: "ملعوناً تكون في المدينة وملعوناً تكون في الحقل ... ملعونة تكون ثمرة بطنك وثمرة أرضك ... ملعوناً تكون في دخولك وملعوناً تكون في خروجك ، يرسل الرب عليك اللعن والإضطراب والزجر في كل ما تمتد إليه يدك لتعمله حتى تهلك وتفنى سريعاً من أجل سوء أفعالك إذ تركتني ؛ يلصق بك الرب الوباء حتى يبيدك عن الأرض التي أنت داخل إليها لكي تمتلكها. يضربك الرب بالسل والحما والبرداء والإلتهاب والجفاف واللفح والذبول فتتبعك حتى تفنيك ...الخ يضربك الرب بقرحة مصر وبالبواسير والجرب والحكة حتى لا تستطيع الشفاء ، يضربك الرب بجنون وعمى وحيرة قلب ... أيضا كل مرض وكل ضربة لم تكتب في سفر الناموس هذا بسلطة الرب عليك حتى تهلك". ولم يكن يهوه الإله الوحيد الذي يعترف اليهود بوجوده ، أو يعترف هو نفسه بوجوده ، وشاهد ذلك أن كل ما يطلبه في الوصية الأولى من الوصايا العشر هو أن يكون مقامه فوق مقام سائر الأرباب: وهو يقر بأنه "إله غيور" ، ويأمر أتباعه بهدم مذابحهم ، وتكسير أصنامهم وإبادتهم. وقلما كان اليهود قبل إشعيا يفكرون في أن يهوه إله الأسباط جميعاً ، أو حتى إله العبرانيين جميعاً ، فقد كان للموآبيين إلههم شمش ، وكان نعومي يظن أن لا ضير من أن يظل راعوث على ولائه له. وكان بلزبوب إله عكرون ، و ملكرم إله عمون: ذلك أن النزعة الإنفصالية التي كانت تتملك نفوس أولئك القوم من الناحيتين الإقتصادية والسياسية قد أدت بطبيعة الحال إلى ما تستطيع أن تسميه إستقلالاً دينياً. ويقول موسى في أغنيته الشهيرة: "من مثلك بين الآلهة يا رب". ويقول سليمان" إلهنا أعظم من جميع الآلهة". ولم يكن جميع اليهود ، اللهم إلا أعظمهم علماً ، يعدون تموز إلهاً حقاً فحسب ، بل إن عبادته فضلاً عن هذا كانت في وقت من الأوقات منتشرة في بلاد اليهود حتى لقد شكا حزقيال من أن البكاء حزناً على تموز كان يسمع في الهيكل. لقد كان ما بين اليهود من فوارق وما كان لهم من إستقلال كافيين لأن تبقى لطوائفهم آلهتهم الخاصة حتى في زمن إرميا: "على عدد مدنك صارت إلهتكِ يا يهوذا" ، ثم يظهر النبي الحزين غضبه على بني وطنه لأنهم يعبدون بعلاً ومولك. فلما أن نشأت الوحدة السياسية في أيام داود وسليمان، وتركزت العبادة في الهيكل بأورشليم، أخذ الدين يردد أصداء التاريخ والسياس ، وأمسى يهوه إله اليهود الأوحد. ولم يخط اليهود نحو التوحيد خطوة غير هذه الخطوة ، وهي أن لليهود إلهاً واحداً يعلو على آلهة غيرهم من البشر ، حتى كان زمن الأنبياء. على أن الديانة العبرانية حتى في هذه المرحلة اليهودية كانت أقرب إلى التوحيد من كل دين آخر قبل عصر الأنبياء إذا إستثنينا عبادة الشمس القصيرة الأجل في عهد إخناتون. لقد كانت اليهودية تسمو كثيراً على غيرها من أديان ذلك الوقت في عظمتها وسلطانها ، وفي وحدتها الفلسفية ، وفيما تنطوي عليه من حماسة أخلاقية ومن أثر في نفوس أهلها ، وكانت تضارع في عواطفها وشعريتها شرك البابليين واليونان إن لم تفقه من هاتين الناحيتين. وهذا الدين القاسي المكتئب لم يتخذ له شيئاً من الطقوس المنمقة والإحتفالات المرحة التي كانت شائعة في عبادة الآلهة المصرية والبابلية. وكان يغشي التفكير اليهودي بأجمعه شعور بضآلة شأن الإنسان أمام رب قادر يسيره طوع أمره. وبقيت عبادة يهوه قروناً كثيرة ديناً قوامه الخوف لا الحب ، والرهبة لا الرغبة ، رغم ما بذله سليمان من جهود لكي يجمل باللون والنغم عبادة هذا الإله الرهيب. ولسنا ندري ، إذا رجعنا بذاكرتنا إلى هذا الدين وأمثاله ، هل عادت هذه الأديان على الإنسانية بالسلوى بقدر ما عادت عليها بالفزع. إن الأديان التي تبعث في النفوس الأمل والدب لا تكون إلا متعة من متع الأمن والنظام ، ولم يكن الأمن والنظام من الصفات التي سادت طويلاً بلاد اليهود. أما الحاجة إلى قذف الرعب في قلوب الشعب ، أو الثائرين من الأجانب الخاضعين لسلطانه ، فقد جعلت معظم الأديان البدائية عبادات قوامها الخفاء والرعب. ولقد كان تابوت العهد المحتوي على ملفات السنن والذي لم يكن يسمح لأحد أن يمسه ، كان هذا التابوت رمزاً لطبيعة العقائد اليهودية. ولما مد عَزَّة الصالح يديه إلى التابوت ليمنعه أن يسقط على الأرض وأمسكه لحظة قصيرة "حمى غضب الرب على عزة وضربه الرب هناك لأجل أنه مد يده إلى التابوت فمات هناك أمام الله".
الخطيئة
وهي الفكرة الأساسية في الدين اليهودي. ولم ير العالم شعباً آخر أولع بالفضيلة ولع اليهود- إلا إذا إستثنينا طائفة المتطهرين الذين يخيل إلينا أنهم خرجوا من بين أسفار العهد القديم دون أن تمسهم الكثلكة الطويلة العهد بسوء. ولما كانت الطبيعة البشرية ضعيفة و"السنن" معقدة صعبة فلم يكن ثمة مفر من الوقوع في الخطيئة ، وكثيراً ما كانت الروح اليهودية تتلبد بالغيوم لما ينجم عن الخطيئة من سيئ العواقب ، كحبس المطر أو تدمير إسرائيل بقضها وقضيضها. ولم يكن في هذا الدين جحيم يخصص لعقاب المذنبين ، ولكن شيول أو "أرض الظلام" التي تحت الأرض لم تكن تقل هولاً عن هذا الجحيم. وكان يلقى فيها الموتى جميعهم الطيب منهم والخبيث ، لا يستثنى منهم إلا المقربون إلى الله مثل موسى و أخنوخ و إيليا. على أن اليهود قلما كانوا يشيرون إلى حياة أخرى بعد الموت ، ولم يرد في دينهم شيء عن الخلود ؛ وكان ثوابهم وعقابهم مقصورين على الحياة الدنيا. ولم تدر فكرة البعث في خلد اليهود إلا بعد أن فقدوا الرجاء في أن يكون لهم سلطان في هذه الأرض ، ولعلهم أخذوا هذه الفكرة عن الفرس ، أو لعلهم أخذوا شيئاً منها عن المصريين. ومن هذه الخاتمة الروحية ولدت المسيحية. وكان يمكن إتقاء الخطيئة ونتائجها بالصلاة والتضحية. وبدأت التضحية عند الساميين كما بدأت عند "الآريين" بالضحايا البشرية ، ثم حل الحيوان محل الإنسان فصار يضحي "بأولى ثمرات القطعان" وباكورة الطعام الذي تنتجه الحقول ؛ ثم إنتهى الأمر أخيراً بالإكتفاء بالتسبيح والثناء على الله. وكان الإعتقاد السائد في أول الأمر ألا يؤكل لحم حيوان إلا إذا ذبحه كاهن وباركه، وعُرِض وقتاً ما على الإله. وكانت عملية الختان نفسها من أعمال التضحية ، ولربما كانت فدية لتضحية أخرى أشد منها قسوة يكتفي فيها الإله بأخذ جزء من كل. وكان الحيض والولادة ، كالخطيئة ، يدنسان المرأة ، ويتطلبان تطهيراً ذا مراسم وتقاليد ، وتضحية وصلاة ، على يد الكهنة. وكانت المحرمات تحيط بالمؤمنين من كل جهاتهم ، كما كانت الخطيئة كامنة في كل شهوة من الشهوات ، وكان لا بد من الهبات للتكفير عن هذه الخطايا ، وقلما كانت هناك خطيئة لا يمكن التكفير عنها بهذه الوسيلة. ولم يكن أحد غير الكهنة يستطيع أن يقرب القرابين بالطريقة الصحيحة أو يفسر الطقوس أو الأسرار الدينية تفسيراً آمنا من الخطأ. وكان هؤلاء طبقة مغلقة لا يستطيع أحد أن ينتمي إليها إلا أبناء ليفي. ولم يكن من حقهم أن يرثوا مالاً ، ولكنهم كانوا معفيين من الضرائب وفرضة الرؤوس وسائر الإتاوات على إختلاف أنواعها. وكانوا يأخذون العشور على نتاج الضأن ، وينتفعون بما يبقى في الهيكل من القرابين التي لم تستنفذها الآلهة. ونمت ثروة الكهنة بعد نفي اليهود بنمو المجتمع اليهودي الجديد ؛ وإذا كانت هذه الثروة المقدسة قد أحسن القيام عليها ، فقد جعلت كهنة الهيكل الثاني في دمشق ، كما كان أمثالها في طيبة وبابل ، أقوى من الملوك أنفسهم. على أن نمو سلطان الكهنة وإنتشار التربية الدينية لم يكفيا لتحرير عقول العبرانيين من الخرافات والأوهام ومن عبادة الأوثان ، بل ظلت قلل التلال ، والحراجُ مأوى للآلهة الأجنبية ومشهداً للطقوس الخفية ، وظلت أقلية كبيرة من الشعب تسجد للحجارة المقدسة ، أو تعبد بعل وعشتروت ، أو تتنبأ بالغيب على الطريقة البابلية ، أو تقيم الأنصاب وتحرق لها البخور ، أو تركع أمام الحية النحاسية أو العجل الذهبي ، أو تملأ الهيكل بضجيج الحفلات الوثنية ، أو ترغم أطفالها على أن "يجوزوا في النار" من قبيل التضحية ؛ بل إن بعض الملوك أنفسهم مثل سليمان وأهاب كانوا "يتملقون" الآلهة الأجانب. وقام رجال صالحون كإيليا وإليشع ينادون بإبطال هذه العادات، وإن لم يصبحوا بعد كهنة ، وحاولوا أن يهدوا الناس إلى طريق الحق بإستقامتهم وحثهم على الإقتداء بهم. ونشأ من هذه الأحوال والبدايات ، ومن إنتشار الفاقة وإستغلال الأهلين في إسرائيل ، عظماء الرجال في الديانة اليهودية ؛ نشأت طائفة الأنبياء المتحمسين ، الذين طهروا الدين اليهودي ، ورفعوا مقامه ، وهيأوه للغلبة على أديان العالم الغربي.
لما كان الفقر ينشأ من الغنى ، ولما كان الفقراء لا يعرفون أنهم فقراء إلا حين يبصرون الأغنياء بعيونهم ، فإن حرب الطبقات لم يندلع لهيبها في إسرائيل إلا بعد أن رأى الناس بأعينهم ثروة سليمان الطائلة. لقد تعجل سليمان ، كما تعجل بطرس الأكبر و لينين ، حينما أراد أن يحول البلاد من دولة زراعية إلى أخرى صناعية. وقد تطلبت هذه المشروعات الضخمة كثيراً من الكدح ، وفرضت على الشعب أبهظ الضرائب ؛ ولما أن تمت بعد عشرين عاماً من العمل المتواصل ، وُجدت في أورشليم طبقة من العمال المتعطلين كانوا من عوامل الشقاق السياسي والفساد الإجتماعي في فلسطين ، كما كان أمثالهم في روما فيما بعد. وكانت الأحياء القذرة تزداد شيئاً فشيئاً كلما نمت ثروة الأفراد وزاد ترف الحاشية ، وأصبح إستغلال الشعب والربا عادة مألوفة بين أصحاب الضياع الكبرى والتجار والمرابين الذين أحاطوا بالهيكل حتى قال عاموس أن المُلاّك "باعوا البارَّ بالفضة والبائس لأجل نعلين". وكانت الثغرة الآخذة في الإتساع بين ذوي الحاجة وذوي اليسار ، وكان النزاع الشديد بين المدن والريف وهو النزاع الذي يصحب على الدوام قيام المدنيات الصناعية ، من العوامل التي أدت إلى إنقسام فلسطين بعد موت سليمان إلى مملكتين متعاديتين مملكة إفرايم الشمالية وعاصمتها السامرة ، ومملكة يهوذا الجنوبية وعاصمتها أورشليم. وأخذ الضعف من ذلك الحين يدب بين اليهود لما سرى في قلوبهم من أحقاد ، وما قام بينهم من نزاع كانت تشتعل بينهم بسببه نيران الحرب العوان. ولم يمض على موت سليمان إلا زمن قليل حتى إستولى شيشنق ملك مصر على أورشليم ، وحتى سلّمت له ما جمعه سليمان من ذهب بالضرائب التي فرضها على الشعب في أثناء حكمه الطويل. وكان هذا الجو المشحون بعوامل التفكك السياسي ، والحرب الإقتصادية ، والإنحلال الديني ، هو الذي ظهر فيه الأنبياء. ولم يكن أولئك الذين أطلق عليهم هذا اللفظ العبري (نبي) أول الأمر من طبقة عاموس وإشعيا الجديرة بإحترامنا ؛ بل كان بعضهم من المتنبئين الذين يستطيعون قراءة قلوب الناس وماضيهم ويخبرونهم بمستقبلهم حسبما يتقاضون منهم من أجور. ومنهم متعصبون متهوسون يستثيرون مشاعرهم بالأصوات الموسيقية الغريبة ، أو المشروبات القوية ، أو الرقص الشبيه برقص الدراويش ، وينطقون في أثناء غيبوبتهم بعبارات يراها أصحابهم وحياً أوحي إليهم: أي بثتها فيهم روح غير روحهم. وقد سخر إرميا سخرية لاذعة من "كل رجل مجنون ومتنبئ". وكان منهم من هو ناسك نكد كإيليا ؛ ومنهم كثيرون يعيشون في مدارس أو أديرة مجاورة للهياكل ، ولكن معظمهم كانت لهم أملاك خاصة وزوجات. ومن هذا الحشد الكبير من النساك خرج أنبياء بني إسرائيل وأصبحوا على مر الزمن نقدة لعصرهم وشعبهم ثابتين على نقدهم ، عارفين بالتبعة الملقاة عليهم ؛ وسياسيين ممتازين يسوسون بلادهم في الخفاء "أشد الناس معارضة للكهنة" / و"ألدهم عداء للسامية". وكانوا مزيجاً من العرافين والإشتراكيين. ونخطئ أشد الخطأ إذا عددناهم أنبياء بالمعنى المألوف لهذا اللفظ ؛ لقد كانت نبوءاتهم ، إن صح أن نسميها نبوءات ، مزيجاً من الوعد والوعيد ، أو عبارات دالة على التقى والصلاح ، يحشرونها في أقوالهم حشراً ، أو إشارات إلى حوادث بعد وقوعها. ولم يكن الأنبياء أنفسهم يدعون أنهم يعلمون من الغيب ما يستطيعون أن ينطقوا به ؛ بل كانوا أشبه الناس بالمعارضين البلغاء في إحدى الحكومات الدستورية الحديثة. وكانوا من بعض نواحيهم تلستويين ثائرين على الإستغلال الصناعي والخداع الكهنوتي ؛ خرجوا من أحضان الريف الساذج يصبون اللعنات على ثراء الحواضر الفاسدة. وقد قال عاموس عن نفسه أنه لم يكن نبياً وإنما كان راعياً ريفياً ساذجاً. فلما أن ترك قطيعه ليشهد بيت إيل ، هاله ما شاهده فيه من تعقد الحياة تعقداً غير طبيعي ، ومن الفروق الواسعة بين الثروات ، ومن منافسة مريرة قاتلة ، وقسوة في إستغلال الناس. فلما رأى هذا "وقف بالباب" وأخذ يصب غضبه على ذوي الثراء المنغمسين في الترف الذين لا يرعون في الناس عهداً ولا ذمة. "من أجل أنكم تدوسون المسكين، وتأخذون منه هدية قمح، بنيتم بيوتاً من حجارة منحوتة ولا تسكنون فيها، وغرستم كروماً شهية ولا تشربون خمرها... ويل للمستريحين في صهيون ،... أنتم... المضطجعون على أسرّة من العاج والمتمددون على فرشهم والآكلون خرافاً من الغنم، وعجولاً من وسط الصيرة، الهذرون مع صوت الرباب ، المخترعون لأنفسهم آلات الغناء كداود ، الشاربون من كؤوس الخمر ، والذين يدهّنون بأفضل الأدهان... "كرهت أعيادكم... إني إذا قد مّتم لي محرقاتكم وتقدماتكم لا أرتضي ... أبعد عني ضجة أغانيك ونغمة ربابك لا أسمع، وليجر الحق كالمياه ، والبر كنهر دائم". تلك نغمة جديدة في آداب العالم. نعم إن عاموس يثلم حد مثاليته بما ينطق به إلهه من وعيد كالتيار الجارف لا يستطيع القارئ لكثرته وشدته أن يحاجز نفسه عن العطف في بعض اللحظات على شاربي الخمر ومستمعي الموسيقى. ولكنا هنا نرى الضمير الإجتماعي لأول مرة في آداب آسية يتخذ صورة محددة واضحة ويفيض على الدين بما يرفعه من دين حفلات وملق إلى دعوة للنبل وحث على مكارم الأخلاق ، وما من شك في أن إنجيل المسيح يبدأ في الحقيقة بظهور عاموس . ويبدو أن نبوءة من أشد نبوآته إيلاماً تحققت وهو لا يزال حيا: "هكذا قال الرب. كما ينزع الراعي من فم الأسد كراعين أو قطعة أذن ، هكذا ينتزع بنو إسرائيل الجالسون في السامرة في زاوية السرير وعلى دمقس الفراش ... فتبيد بيوت العاج وتضمحل البيوت العظيمة" . وقام نبي آخر حوالي ذلك الوقت نفسه يهدد السامرة بالخراب في عبارة من تلك العبارات الواضحة المأثورة التي صاغها المترجمون في عهد الملك جيمس من كنوز التوراة ليرددها الناس في حديثهم كل يوم. قال هوشع: "إن عجل السامرة يصير كسراء ، إنهم يزرعون الريح ويحصدون الزوبعة". وفي عام 733 هددت إفرايم وحليفتها سوريا ، مملكة يهوذا الناشئة ، فاستغاثت هذه بأشور. فأغاثتها وإستولت على دمشق ، وأخضعت سوريا وصور وفلسطين وأرغمتها على دفع الجزية ، وعرفت ما يبذله اليهود من جهود للحصول على معونة مصر ، فغزت البلاد مرة أخرى وإستولت على السامرة ، ودخلت في مفاوضات سياسية مع ملك يهوذا ، وعجزت عن الإستيلاء على أورشليم ، ثم عادت جيوشها إلى نينوى مثقلة بالغنائم ومعها 000ر200 من أسرى اليهود ليكونوا عبيداً للآشوريين.
وفي أثناء حصار أورشليم أصبح النبي إشعيا من أعظم شخصيات التاريخ العبري. وكان إشعيا أوسع أفقا من عاموس ، ولذلك كانت آراء أولهما أبقى أثراً في السياسة من آراء الثاني. ولم يكن يشك في أن يهوذا الصغيرة لا تستطيع الوقوف في وجه أشور الجبارة ذات السلطان الواسع ولو أعانتها مصر البعيدة - تلك القصبة المرضوضة التي تدمي يد من يحاول أن يمسكها ليدفع بها عن نفسه - فأخذ يتوسل إلى الملك أهاب ثم إلى الملك حزقيا أن يظلا على الحياد في الحرب القائمة بين أشور وإفرايم. ذلك أنه لم يكن يشك- كما لم يكن عاموس وهوشع يشكان- في أن السامرة لابد ساقطة ، وأن المملكة الشمالية مقبلة على آخر أيامها. فلما أن حاصر الآشوريون أورشليم أشار إشعيا على حزقيا ألا يسلم المدينة. وبدا أن إنسحاب جيوش سنحريب المفاجئ مبرر قوي لهذه النصيحة. ومن أجل ذلك علا شأنه زمناً ما لدى الملك والشعب على السواء. وكان ينصح على الدوام بأن يعامل الناس بالعدل ، وأن يترك أمرهم بعد ذلك إلى يهوه، فيستخدم أشور أداة له يؤدبهم بها ، ولكنه سيهلكها هي نفسها في آخر الأمر. وكان من أقواله أن يهوه سيقضي على جميع الأمم المعروفة له ، وهو يقول في بعض فصول سفره (من الأصحاح السادس عشر إلى الثالث والعشرين) أن موآب وسوريا وأثيوبيا ومصر سيكون مصيرها الدمار و"كلها يولول". وهذا الدعاء بالخراب وهذه اللعنات المتكررة تفسد ما في سفر إشعيا من جمال، كما تفسد كل ما في التوراة كلها من نبوءات، ولولاها لكانت من أجمل ما كتب في الأدب. على أن تشهيره هذا إنما ينصب على ما يجب أن ينصب عليه- على الإستغلال الإقتصادي والشراهة ، فهو إذا تحدث عنهما سما في حديثه إلى أرقى ما وصل إليه الأدب في أسفار العهد القديم ، في فقرات تعد من أروع ما كتب من النثر في أدب العالم كله: "الرب يدخل في المحاكمة مع شيوخ شعبه ورؤسائهم ، وأنتم قد أكلتم الكرم. سلبُ البائس في بيوتكم. ما لكم تسحقون شعبي وتطحنون وجوه البائسين؟ ... ويل للذين يصلون بيتاً ببيت ، ويقرنون حقلاً بحقل حتى لم يبق موضع ، فصرتم تسكنون وحدكم في وسط الأرض! ... ويل للذين يقضون أقضية البطل، وللكتبة الذين يسجلون زورا ليصدوا الضعفاء عن الحكم ، ويسلبوا حق بائسي شعبي لتكون الأرامل غنيمتهم ، وينهبوا الأيتام. وماذا تفعلون في يوم العقاب حين تأتي التهلكة من بعيد؟ إلى من تهربون للمعونة؟ وأين تتركون مجدكم؟". وهو يزدري أشد الإزدراء من يتظاهرون في العالم بالتقوى وهم يبتزون أموال الفقراء: "لماذا لي كثرة ذبائحكم؟ يقول الرب أتخمت من محرقات كباش وشحم مسمنات... رؤوس شهوركم وأعيادكم بغضتها نفسي. صارت عليَّ ثقلاً. مللت حملها. فحين تبسطون أيديكم أستر عيني عنكم ، وإن كثرتم الصلاة لا أسمع. أيديكم ملآنة دماً. غتسلوا تنقوا. إعزلوا شر أفعالكم من أمام عيني ، كفوا عن فعل الشر. تعلموا فعل الخير. إطلبوا الحق. إنصفوا المظلوم. إقضوا لليتيم. حاموا عن الأرملة". وهو ممتلئ القلب حقداً ، ولكنه غير يائس من شعبه ؛ وكما أن عاموس قد ختم مواعظه بنبوءة ، يحاول اليهود الآن تحقيقها وهي عودتهم إلى بلادهم ، كذلك يختتم إشعيا مواعظه بترديد أمل اليهود في ظهور من يقضي على ما بينهم من إنقسام سياسي ، وخضوع للأجنبي ، وما هم فيه من بؤس وشقاء ، ومن يعيد إلى الأرض الإخاء والسلام:
"ها! العذراء تحبل وتلد إبناً وتدعو إسمه عمانوئيل ... لأنه يولد لنا ولد ونُعطى إبناً ، وتكون الرياسة على كتفه ، ويدعى إسمه عجيباً مشيراً ، إلهاً قديراً ، أباً أبدياً ، رئيس السلام ... ويخرج قضيب من جذع يسى ... ويحل عليه روح الرب ، روح الحكمة والفهم ، روح المشورة والقوة ، روح المعرفة ومخافة الرب ... يقضي بالعدل للمساكين ، ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض ، ويضرب الأرض بقضيب فمه ، ويميت المنافق بنفخة شفتيه ، ويكون البر منطقة مثنيه ، والأمانة منطقة حقويه ، ويسكن الذئب مع الخروف ، ويربض النمر مع الجدي ، والعجل والشبل والمسمن معاً ، وصبي صغير يسوقها... فيطبعون سيوفهم سككا ، ورماحهم مناجل ، لا ترفع أمة على أمة سيفاً ، ولا يتعلمون الحرب فيما بعد". ذلك إلهام جد عجيب ؛ ولكنه إلهام لن يعبر عن مزاج اليهود حتى تمر بهم أجيال كثيرة. وكان كهنة الهيكل ينصتون بعطف مكظوم إلى هذه الدعوة النافعة التي تحث الناس على التقى والصلا ح؛ وكانت شيع من اليهود تتطلع إلى هؤلاء الأنبياء تتلقى عنهم هذه الدعوة الملهمة ؛ ولعل هذا الأقوال التي تدعوهم إلى نبذ الشهوات الجسمية كان لها بعض الأثر في تقوية ما أوجدته الصحراء في اليهود من نزعة إلى التزمت في الدين. غير أن حياة القصور والخيام ، والأسواق والحقول ، ظلت في أغلب الأحيان تجري على سننها القديم ؛ فكانت الحرب تقضي على من تصطفي من كل جيل ، وظل الإسترقاق مصير الغريب ، وظل التاجر يطفف الكيل ويغش في الميزان ، ثم يحاول التكفير عن ذنبه بالتضحية والصلاة. وترك الأنبياء أعمق آثارهم في يهودية ما بعد التقى ، ثم في العالم كله عن طريق اليهودية والمسيحية. وفي أسفار عاموس وإشعيا نرى بداية المسيحية والإشتراكية والمعين الذي فاضت منه الدعوات إلى إقامة عالم مطهر من الشرور لا يطوف به طائف الفقر أو الحرب فيكدر ما فيه من أخوة وسلام. وهذه الأسفار هي منشأ العقيدة اليهودية الأولى التي تقول بمجيء مسيح يقبض على زمام الحكم ، ويعيد إلى اليهود سلطانهم الدنيوي ، ويجعل الصعاليك المملقين الحاكمين بأمرهم في العالم كله. وكان إشعيا وعاموس هما اللذين بدآ في عصر الحروب يمجدان فضائل البساطة والرحمة والتعاون بين الناس والإخاء ، وهي الفضائل التي جعلها عيسى أساساً جوهرياً لدينه. وكانا أول من اضطلع بذلك العبء الثقيل عبء تحويل رب الجنود إلى إله حب وهما اللذان جندا يهوه وإستعاناه على نشر المبادئ الإنسانية ، كما جند المسيح متطرفو الإشتراكيين في القرن التاسع عشر ليستعيناه على نشر المبادئ الإشتراكية. وهما اللذين بثا في عقول الألمان - بعد أن طبعت التوراة في أوربا - الإيمان بمسيحية جديدة وأوقدا شعلة الإصلاح الديني ، وكانت فضائلهم القوية غير المتسامحة هي التي أخرجت طائفة المتطهرين المسيحيين. وكانت فلسفتهم الأخلاقية تقوم على نظرية أجدر من غيرها بالتسجيل - وهي أن الطيب سوف يوفق وينجح ، وأن الخبيث سوف يصرع ؛ وقد تكون هذه نظرية مخادعة ، ولكن ما فيها من خداع- إن كان فيها خداع- هو خداع العقل النبيل. ولئن كان هؤلاء الأنبياء لا يتصورون الحرية أو يفكرون فيها ، فإنهم كانوا يحبون العدالة ويدعون إلى القضاء على ما كان يضعه الأسباط من قيود على الأخلاق الطيبة. ولقد أقاموا أمام البائسين في العالم أملاً في التآخي ، كان تراثاً غالياً ، ظلوا يتوارثونه على مدى الأجيال.
|
|
|
|
|